الجنون والبوهيمية إزدواجية المظهر والجوهر — مجنون مدني وبوهيمية محمد حسين بهنس نموذجاً


 


إبراهيم أحمد الإعيسر السودان — 2023

،، الحد الفاصل بين الجنون والعقل هو معيار القيم الاجتماعية ،،
ميشيل فوكو

تعريف الجنون نمطياً وتجريبياً:

إذا نظرنا (للجنون) كظاهرة مظهرية وعقلية في التعريف الكلاسيكي الذي أنتجه المجتمع وعلم الطب هو: «عدم القدرة على السيطرة على العقل أو هو مجموعة من السلوكيات الشاذة التي تميز أنماط من السلوك الشاذ التي يقوم بها الاشخاص بدون وعى وإدراك». لكن في كتابه (الجنون في العصر الكلاسيكي) يقدم لنا ميشيل فوكو - واحد من أعظم فلاسفة القرن العشرين الذي محور فلسفته في الكائن الإنسان - على أن (العقلانية الحديثة) حاولت أن تختزل الجنون في معناه الطبي وأن تُصوّره على أنه مرض عقلي يستوجب العلاج، وبعكس ذلك يعتقد (فوكو) أن الجنون هو: نمط من الفكر المستقل، وشكل من أشكال الوجود الأصيل وهو ينطوي على قيم جمالية ونظرة للإنسان والحياة والعالم، وهي عوالم رمزية مهما تطوّر الطّب العقلي سيبقى عاجزاً عن الإلمام بها، وقد كان للجنون حضور قوي في الفنون والآداب والمسرح وفي المخيلة الجمعية في عصر النهضة حتى صار يُخشى أن يزاحم العقل في مكانته ويزيحه من مشهد الحياة. وإن كانت السرديات الكبرى للعصر الحديث قد أرخت لتاريخ سيادة العقل، فإن كتابة (تاريخ الجنون) هو المسار الذي أدرك فيه العقل الغربي وجهه القبيح وتعرف على عدميته التي طالما غفل عنها. فالحد الفاصل بين الجنون والعقل هو معيار القيم الاجتماعية، ومن ثمَّ فالجنون وصف اعتباري لا حقيقي، ويلزم من ذلك أن التغيّر في تلك المواضعات والقيم والأصول المتبعة في المجتمع سيعني تغيراً في وصف الجنون، فقد يكون جنون في زمان ما ليس جنونا في زمان آخر.
لكن من حيث التصور الديني في الغرب يختلف تعريف الجنون من ما كان سائد في العالم الإغريقي القديم أن الجنون ناتج عن لعنة الآلهة أو صراعها في جسد الإنسان وروحه، فمن كان مريضاً بالصرع يكون مسكوناً بالشيطان أو الروح الشريرة التي تصطرع مع جسده وروحه، فإذا تصرف المصاب مثل نعجة أو صرّ على أسنانه بشدة أو حدث له تشنّج في شقه الأيمن فإن هيرا، أم الآلهة، هي المسئولة عن ذلك. وإذا رفس المصاب برجليه وعلا الزبد فمه، فإن إيرس، إله الحرب هو المتسبب في هذا وهلم جرا.
أما تجريبياً أو فلسفياً إذا عقلنا (الجنون) يمكن أن نعرفه على أنه حالة فلسفية أو تيار فلسفي قائم بذاته وإذا عرفنا الفلسفة إيجازاً هي: «كل فكرة خارجة عن المألوف» فالفلسفة هي أرفع ما أنتجه العقل البشري؛ فهي المادة الخام لناتج كل فكرة صناعية وسياسية واقتصادية وكونية.. الخ وهي من أنتجت غالب الآلهة الموجودة في العالم الآن، وتعتبر أكثر تأثيراً من الأديان في ضبط الأخلاقيات، فالتفكير فلسفياً يمثل معيار للذكاء الحاد والفردانية الفكرية! ذلك إذا نظرنا للجنون على أنه حالة «خارجة عن المألوف» أو «ظاهرة خارجة عن الطبيعة البشرية في جوهرها ومظهرها» كالإنطوائية عند الفنانين التي أشار لها هاوزر في مؤلفه فلسفة تاريخ الفن «أن الفنان شخص انطوائي وهو ناتج بسبب عجزه ودوافعه الغريزية المفرطة من التجاوب مع متطلبات واقعه العملي، مما يؤدي بالتالي الى محاولته لاشباعها بعالم وهمي يجد فيه بديلاً عن الارضاء المباشر لرغباته ودوافعه اللاواقعية إلى رغبات قابلة للتحقيق»! بل كل ما هو غير مألوف يعرف فلسفة (كالصعلكة) التي تعني كلاسيكياً في كلاسيكيات المجتمع السوداني «إسلوب حياة متحرر من القيم والأعراف الاجتماعية والدينية» فيما أعرفها في فلسفتي الخاصة أنها ظاهرة فلسفية فكرية تمردت على الطبيعة البشرية في إلتزاماتها الثقافية وإسلوب حياتها الاجتماعية وأضافت للمعرفة شكل جديد من أشكال الحرية، وهي نوع من أنواع الوعي المتقدم حينا تمارس بوعي لا يضر بالآخرين.

البوهيمية كحالة ازدواجية للجنون:

تتماثل البوهيمية مع الجنون في أن كلاهما يمثل حالة التباين أو (الإختلاف) ، فالبوهيمة في الدلالة الفنية تعني في الإنجليزية حسب قاموس أوكسفورد: الشخص غير التقليدي اجتماعياً، أو المتمرد الذي لا يندمج مع الأعراف والمقاييس الاجتماعية، وخصوصاً أولئك المتعمقون في عالم الفنون بما يمكن أن يصطلح عليه دنيا البوهيميين. كما يستخدم مصطلح البوهيميون كذلك لوصف فنانين يعيشون ويدعون إلى التفكير الحر المطلق غير المقيد، محاولة منهم لإضفاء أسلوب خاص في نتاجهم الأدبي أو الفني. لذلك فهم لا يمتثلون في سلوكهم وأعمالهم إلى أعراف المجتمع وتقاليده. بالإضافة إلى أنه استخدم لوصف نوع من الديكور العشوائي غير مقيد بفكره محددة. أما عند الغجر (البوهيمي) عادة هو ذلك الفقير البسيط والمنفرد بطبعه، فهو لا يهتم بمظهره لأنه مشغول بفنه وطقوسه الغريبة عن كسب المال. ورغم أن البعض من البوهيمين من أمثال هنري مورجير حاول أن يبعد نفسه عن الغجر، إلا أن الغجر والبوهيمين يشتركون في خصائص كثيرة بل إن الغجر هم الشرارة الأولى لبداية ما يعرف بالبوهيمية في الأدب والفن في فرنسا. لكن البوهيمية تتناقض أو تزدوج مظهرياً مع الجنون في أنها تعبر عن (الإختلاف) لكن بحالة واعية من حيث ملابسها أو مظهرها الخارجي، أما من حيثية جوهرية (فكرية) تعبر عن فكرها بلغة مفهومة ورمزية يمكن أن تفهم أو لها من الوجود في الذاكرة الجمعية، أو في المعيار الاجتماعي الكلاسيكي هي تعرف على أنها تختلف عن الجنون بتعبيرها وإسلوبها الواعي والسوي والمعروف أو الموجود في الذاكرة الجمعية مظهرياً وجوهرياً.

الجنون كحالة وعي متقدم «مجنون مدني نموذجاً» :

إذا نظرنا لحالة الوعي أو الإدراك يلاحظ أن (فيلسوف مدني) كما يمكن من الصواب أن ندعيه بذلك من معيار أن الجنون يمثل تيار فلسفي قائم بذاته أنه من خلال خطاباته ذكر أشياء وأسماء في (السياسي والمكاني والرياضي والفني السينمائي) موجودة في الذاكرة الجمعية أو في ذاكرة اللغة الجمعية تحديداً - وهذه دلالة على الوعي الذي يمثل نقيض الجنون - (تغيرت هويتي وين!؟) و (السودان يبحث عن الهوية) و(أنا فاقد تربية هوية) و(فوزي المرضي) و(النقر) كشخصيات رياضية من النخبة الرياضية في السودان، و(السينماهات: كجمع لكلمة سينما) و(الفيلم) - وهذه أشياء لها ارتباط بذاكرة مدني السينمائية - فالرجل هنا مستوعب لجزء من حركة التاريخ الفني في السودان - وما يؤكد أن هذا الرجل بكامل (وعيه) أو (إدراكه لما يحيط من حوله) هو إشارته بيده للمكان وتحديد اسم المكان كنموذج لما قاله في احدى المقاطع المسجلة (المجمع ده...) و(المجوهرات دي...)! بل ما يقطع كل الشكوك أنه إنسان ليس (بمجنون) بل (متغابي) على المجتمع و(متمرد) بإسلوبه الخاص في الخطاب الذي يخلط فيه ما بين (المفهوم وغير المفوهم/الموجود في ذاكرة اللغة وغير الموجود/الواعي واللاوعي.. الخ) مثل المصطلحات غير المفهومة أو المُعرفة في علم اللغة (جولو/الأولا/البَزة/كِيلا.. الخ) وهي مصطلحات (موسيقية) تدعم (الموسيقى اللغوية) في خطابه أو تخلق منها لحن خاص للخطاب أقرب للإلقاء الشعري في الهتافات الشعرية الثورية السودانية على وجه الخصوص .. أنه في آخر إحدى المقاطع بصورة موسيقية قال للذين يستمعون من الذين يمثلون حالة الوعي (دي كمان دايرة ليها حل ولا نزلا!؟) ثم ابتسم وذهب لحاله!! ولعل هذا ما يمثل نوع من أنواع (السخرية) و(الاستهبال) على الواقع .. أما من حيثية تأويلية (نزلا) إذا رجعنا لحديثه قبل آخر جملة قالها من المقطع ( انخفاض أسعار الذهب .. الرغبة في أسعار الذهب سا ولا سلا!؟) هي رمزية (للسياسي) أي ما تعني (زلة/المزلة) ؛ (دي كمان دايرة ليها حل ولا نزلا) أي إذا لم (يحلها) ح(نزلو/إذلال)! أو (ننتقده)!
فإسلوبه إسلوب (ساخر) ملحق برمزية (لغوية) أقرب إلى إسلوب الشاعر الأمريكي المتمرد على الطبيعة البشرية حتى في إسلوب شعرها وآدابها (تشارلز بوكوفسكي)!
فهذا الرجل في ظني ليس (بمجنون) بل متقدم علي الوعي الجمعي مسافات لا يلامس حدودها إلا يمتلك أدوات المعرفة والاستنارة، وليست مبالغة أو تحجيم من ذاتيته أو تأويل (رخيص) مكانه الطبيعي في (اكسفورد) أو (هارفرد) أو (السوربون) ، في بيئة تستوعب عقله كان يمكن أن تخلق منه إنسان عظيم. ولعل ما يدعم بعضاً من ذلك هو ما كتبه الروائي السوداني (ممدوح أبارو) أن مجنون مدني كان من أكثر الشباب ثقافة ومعرفة وأنه شهد له من قبل بقهوة شيخ أحمد بوقاية النباتات بمدني، واحدة من أجمل المرافعات عن مؤتمر الخريجين وتحليل لعقلية الاستعمار لم يسبقه عليه أحد!
فهذا حديث أنا مسؤل منه من منطلق أن كل من يخلق (إسلوب خاص به) فنياً وأدبياً وخطابياً ورياضياً وعسكرياً وسياسياً واقتصادياً.. الخ فهو (مفكر عظيم) فأصعب شيء يمكن أن تقدمه هو (الإسلوب) فالشاعر (بوكوفسكي) ذكر في إحدى خطاباته أن كل (إسلوب) هو (فن) و(الفن) في نظري هو شكل من أشكال الفلسفة والفلسفة كما ذكرت هي أرفع ما أنتجه العقل البشري من فكر!
فالظاهرة الجنونية التي قدمها مجنون مدني، هي إحدى الظواهر التي اهتم بها (هتلر) حينا قام بتجميع الشواذ من الأدمغة المجهولين أو المثقفين والمتعلمين والمفكرين والفلاسفة.. الخ واستفاد منهم في الحرب النازية وفي حركة الوعي، (فهتلر) كان مثقفاً وعاشقاً للكتب ونهماً للقراءة؛ فعندما انتحر ١٩٤٥م وجدوا في مكتبته الخاصة ما لا يقل عن ستة عشر ألف كتاب!

البوهيمية المظهرية والجوهرية في عوالم بهنس:

محمد حسين بهنس ١٩٧٢م - ٢٠١٣م فنان متعدد المواهب فهو كاتب روائي وقاص وشاعر وفنان تشكيلي – من الفنانين التشكيليين النادرين في مجال الرسم الضوئي – وموسيقي ومصور سوداني تم العثور عليه ميتا في ١٢ ديسمبر ٢٠١٣م على أحد أرصفة ميدان إبراهيم باشا بالعتبة (القاهرة). درس في جامعة الاهلية لمدة عام دراسي واحد ومن ثم تقدم باستقالته من الجامعة، سافر إلى فرنسا مطلع الألفين، حيث عاش في فرنسا سنتان وتزوج من فرنسية في السودان، ولم ينجب منها ثم طلق زوجته، وقامت الحكومة الفرنسية بترحيله بحسب ما ذكر حمور زيادة؛ وبدأت من هنا أزمته النفسية. حيث عاد بهنس بعد حادثة انفصاله عن زوجته التي أثرت فيه نفسياً إلى الخرطوم ليجد أن أخيه المقيم في بريطانيا توفي ثم توفت والدته وأصبح يعيش عزلة لمدة ثلاثة أعوام وكان صديقه الوحيد الذي يزوره في عزلته (بكري بقداش) وتقرب منه إلى أن أقاما سوياً بمنزل صديقه (بكرى بقداش).
جاء إلى القاهرة منذ أكثر من عام ليقيم معرضا تشكيلياً. ثم قرر بعدها الإقامة فيها، فعاش في البداية في أحد منازل منطقة العتبة، ثم تدهورت أوضاعه المالية، ولم يجد ما يعينه على الإقامة أو العيش فاتخذ من ميدان التحرير سكناً له وأرصفة وسط القاهرة منصات لإعلان سخطه.
من أعماله الأدبية رواية (راحيل) التي وصفها الناقد هوار حمدان هجو أنها «ولادة جديدة للطيب صالح» كما له رواية أخرى بعنوان (الهابر) وقصص قصيرة ومجموعة شعرية في التصوف.
كان أول معرض تشكيلي له سنة ١٩٩٩م حيث عرض لوحاته بالخرطوم. شارك في عدد من المعارض منذ كان طالباً جامعياً في السودان، وبعضاً من المعارض في الخارج التي أقامها وشارك فيها: «لايت رسومات» التصوير الفوتوغرافى عام ٢٠٠٦م، في قصر المهرجانات دى البنات، Trascon، Ariege، فرنسا، وعام ٢٠٠٤م معرض مدرسة الفن، أديس أبابا، إثيوبيا، عام ٢٠٠٣م، المركز الثقافى الألمانى، الخرطوم، السودان، ٢٠٢٢م، «لغة الألوان»، وكان المعرض بمشاركة ٥٠ من الفنانين الأفارقة، بون، Alfter، ألمانيا. كما أن بعضاً من لوحاته تزين جدران قصر (الإليزيه) بباريس.
في شهادات نُشرت على الموقع الإلكتروني لجريدة الوطن من ضمنها ما قاله أحد النشطاء في الثورة احمد بهجت «كنت اعتقد انه متشردا أو شحاتا ولما تحدثت معه اكتشفت أنه من أحسن الفنانين التشكيليين». كما كتبت عنه أحلام مستغانمي شهادة رثاء تقول فيها:
محمد بهنس أيها السوداني النبيل .. قُل أنّكَ سامحتنا !
على قارعة التجاهل، تكوّم ذلك الشاعر، وترك الثلج يُكفّنه في أحد شوارع القاهرة. محمد بهنس ابن السودان الطيّب الكريم، كان يثق في كرم الثلج، يُفضّل على حياةٍ يتسوّل فيها ركناً دافئاً في قلوب الغرباء، ميتةً كريمة، لا يمدّ فيها يده لأحد. يده تلك التي لم تكن تصلح سوى للعزف وكتابة الشعر. لماذا كابرتَ إلى هذا الحدّ أيها الرجل الأسمر؟ لا أحد كان في بياض قلبك غير الثلج. وما جدوى أن نبكيك الآن، وما عُدتَ معنياً بدمعنا، وأن نزايد عليك شاعريّة، لأنك هزمتنا عندما كتبتَ بجسدكَ الهزيل المُكفّن كبرياءً، نصاً يعجز كثير من الشعراء المتسوّلين الأحياء عن كتابته.
لم أقرأ لكَ شيئاً، ولا سمعتُ بكَ قبل اليوم، ولكني صغرتُ مذ مُتّ جائعاً على رصيف العروبة البارد. كلّ كلماتي ترتجف برداً في مقبرة الضمير، عند قبرك المُهمل. أيها السوداني النبيل، قل أنّك سامحتنا، كي لا أستحي بعد الآن كلّما قلتُ أنني كاتبة.
في زمن مضى، كانوا يكتبون على حائط في شارع " اخفض صوتك. هنا يسكن شاعر يكتب الآن " .
اليوم يعبر المارة أمام جسدِ شاعر مُتكوّم من البرد، فيسرعون الخطى كي لا تقول لهم الجدران أدركوه .. ثمّة شاعرٌ يموت الآن.
فالذي يلاحظ إلى حالة (التشرد) في شوارع القاهرة عند بهنس بملابسه التي تحيل نفسها إلى ملابس (المشردين) و(المجانين) وبتسريحة شعره البوهيمية (البوب/الراستا) يظن من الوهلة الأولى أنه (مجنون) لكن ما خفي أعظم؛ أن بهنس كان يمارس حالة من البوهيمية والتصوف الفني؛ فهو مدرك بحركة الحياة اليومية الإعتيادية وبطبيعة الأشياء وصورها اليوميةالمتكررة المتجددة، أو مدرك بإفتراض أن في داخله إنسان مثقف وفنان شامل لكنه اختار حياته بالإسلوب غير غير النمطي لأكثر البشر نمطية، بالشكل الذي يحيله (للجنون) انطلاقاً من المعايير الإجتماعية الكلاسيكية لتعريف (الجنون) .. فمن ناحية سوسيولوجية يمارس بهنس نمط حياة إجتماعية مستقلة أو مجتمعة مع ذاتها الفنية (تناول الفن كمادة حيوية للتفاعل الإجتماعي) أو ما يمكن وصفه بالوكالة (Agency) في علم الاجتماع: قدرة الفرد على أن يتصرف بشكل مستقل ويتخذ قراراته بإرادته الحرة. فهذه القدرة تتأثر من هيكل الاعتقاد الإدراكي الذي يطوره الفرد خلال تجاربه، والمفاهيم التي يتبناها الفرد ومجتمعه، ومن الهياكل والظروف التي يولد ويتواجد فيها.
ولعل التجربة الفنية التي عاشها بهنس من تجاهل المؤسسة الثقافية له في السودان، وتجاهل المجتمع وبنيته الأكثر سذاجة وأنانية ونفاق ووحشية، وفشل الفن في الإصلاح السياسي والاقتصادي الاجتماعي، والتجربة الحياتية من حيث العيش بين جودة حياة رديئة، هو ما يمثل جزء من حالة التأثير النفسي لإختياره العيش بنمط حياة بوهيمية تعبر عن عبثية الحياة، خصوصاً أنه واحد من المثقفين الذين كانوا رافضين لإنفصال الجنوب، ولعل ما كتبه من شعر يعبر عن تلك التجربة التي تمثل إحدى الظواهر الفكرية والمظهرية في حركة التمرد الحياتية للحياة الإجتماعية والسياسية:
بهدِيك الفوضى
شِجار طفلين، فى ساحة روضة
بهديك الغُربة
هتاف الموتى، وصمت التُربة
بهدِيك حُزنك
وسِتات الفول أثناء الخمشة.. بعد إذنك
بهديك إحباطي
حديث عابر فى مركبة عامة، بصوت واطي
بهديك الليل البين جبلين
فقدك لقى دين
بهديك طلّة لبيوت الخيش
وخِيام تفتيش
وأسواق أرخص ما فيها حليفة الله
بهديك مُتمرّد
والنيل فى الجركانات باعوهو برّد
بهديك ولا شيِ
وأقطع وديان السهو، مشي
لم يكن بهنس تقليدياً، حتى قبل ظاهرة تشرده أو بوهيمته المفرطة، كان حداثوياً في الفكر والمظهر، متناغماً مع الثقافية العالمية، فهو من نوعية المثقفين المتأثرين بالشكلانية الفنية والثقافية والفكرية لفنانيين ومثقفين الغرب والمهاجرين من غرب وشمال أفريقيا للغرب، كشخصيات ظهرت حديثاً في الوسط الثقافي السوداني من أمثال (حجوج كوكا) و(مو علي) و(أمجد أبو العلا) و(محمد كردفاني) و(إيبو كردم) و(إيهاب عدلان) و(هشام آدم) و(بلقيس إدريس) والناشطات النسويات من أمثال (فهيمة هاشم) و(ويني عمر).. الخ شخصيات تنتظم داخل ثقافة الآخر؛ تعيش في الغرب أو ترتبط به حياتياً وأيديولوجياً وتتحدث بعضاً من اللغات الأجنبية وتتماهى نحو الصورة الفنية والثقافية والفكرية الموجودة في الغرب.
فبحسب الباحث عبد الجبار الغراز، تعتبر الثقافة، في معناها الأنثروبولوجي، شيئا مكتسبا مرتبطاً بالمجتمع. فهي بهذا المعنى الذي يضفيه عليها إدوارد تايلور، تعتبر خزاناً من الأفكار والقيم والمعتقدات والقواعد السلوكية المتراكمة عبر حقب زمنية، تنتقل من هذا الجيل إلى ذاك عبر ما يسمى بالتنشئة الاجتماعية، فتعكس بالتالي، هوية الأمة وشخصية أفرادها وتصوراتهم عن أنفسهم وعن غيرهم، كما تعكس أيضاً طرق تفكيرهم وأساليب عيشهم وآليات تواصلهم وتفاعلهم فيما بينهم.
أي من خلال ذلك يمكن أن نقول أن اندماج بعض المثقفين مع الثقافات الغربية أثر على الحياة الفكرية السودانية عند الجيل الحديث، فخلق مخيال جديد لتصور الدولة السودانية الحديثة، التي من أولويات بناء هيكلها النظامي (الحرية النسبية) على مستوى الفكر والاختيار، أو فصل مؤسسات الدولة من المؤسسات العقائدية التي تقيد حركة (الحرية) في أشكالها المختلفة.

تعليقات