خذ محبرة... علم بالمداد مجرى الوجود بقلم ذ.منير كوبي

          خذ محبرة... علم بالمداد مجرى الوجود

بقلم: الأستاذ منير كوبي                        






خذ محبرة.. علم بالمداد مجرى الوجود.. اسكب مدادا أزرق على الورق وعلم المد الأبيض بالأخدود..

لا تسلم الوجود شيكا على بياض، بل اكتب رقما أو وعدا من الوعود...

ارسم سماء زرقاء أو بلون الحداد، أو سماء تمطر دما أو تقطر منها الدماء..

أنشئ حسابا واجعله جاريا، ضع فيه كلمات تنشئ بها رصيدا ولو كان لدى "البرغماتيين" حروفا أو صوفا أو بقرات عجاف أو سنوات جفاف.. .

كن مدينا لعباس بن فرناس الأمازيغي قبل "بيك" في اختراع القلم، وطر بالكتابة فوق السموات العلى، فله تدين البشرية بفعل الطيران..

اكتب إن كنت ترى في نفسك حاجة إلى الكتابة، إلى حنجرة يصدح بها صوتك، إلى بوابة يعبر منها الهواء فيتنفسك ويستشنقك...

اكتب إن كنت ترغب في الكتابة، وإن كنت ترغب في الرسم أو السفر أو الاستماع للموسيقى أو العزف، فافعل إن كنت تجد ذلك مريحا ومصدر متعة بالنسبة إليك..

إن كنت تجد متعتك في اللعب، ومتع نفسك باللعب، واستلذ كما تشاء باللعب.. اجعل العالم كله ملعبا...

كن أنت حين تود فعل شيء من الأشياء حين تحس بشيء ترغب في قوله أو كتابته أو رسمه، مثل كل الأشياء التي نفعلها إذا عثرنا على ذواتنا فيها، على ما نشتهيه ونبتغيه فيها، فهي جنة الخلد..

إن هفت نفسك للتعبير عن نفسها في أي شكل من أشكال التعبير، فلا تكبحها، اطلق لها العنان، لا تقمعها، سرج لها اللسان، كن عند حسن ظنها، انصع لاسيتهاماتها وشغبها المؤلم المؤِرق الحارق، قل لها أف أو لا تقلها، انهرها أو لا تنهرها.. فقط دعها تمر، دعها تعمل..

اكتب إن كنت تعتبر ذلك مخرجا لمكنونات نفسك، معبرا إلى الذات الأخرى التي تسكنك وتتكلمك في كل مرة يكون عقلك أو حسك فيها متنبها أو غافلا أو مشدوها إلى شيء آخر..

إن كنت مبتهجا سعيدا اكتب، إن كنت حزينا مكتئبا اكتب، إن كنت ناقما غاضبا مغتاظا اكتب، إن فاض بك الكيل اكتب، إن جال الفراغ في داخلك وصال اكتب، إن فقدت البوصلة اكتب، إن كسبت غنيمة اكتب، إن عدت بخفي حنين اكتب، إن بدوت مثل عطيل أو عنترة بن شداد أو دون كيشوت اكتب، أو بدوت يوكرتن أو رب الأرباب زوس أو غايا إلهة الأرض اكتب.. كن مثل بطل "الهالوين" الذي لا يموت، حالما في "الحالمون" وأحد الحالمين.. كن مدرسا في شعوذة الريادة، جوادا في مدرسة العيادة.. عظم الأجداد، افخر بالأمجاد، ابك أطلال الأندلس أو أطفال أوكرانيا وغزة أو على من ضيع العزة أو امدح سد القندس..

اكتب لتتنفس تحت الماء مثل الحوت، لتسبح حرا كالفراشة فوق الريح، لتحلق في الأعالي شامخا كالنسر، لتنقض على الفريسة كالصقر، لتتخلص من أدرانك، لتحدث سكينة في دواخلك أو زوبعة ذهنية في كل إنسان أو في قِسمك..



كن شاكا، كن متيقنا أو على يقين، كن يساريا أو على اليسار، كن يمينيا أو على اليمين، كن مشاكسا لا يشق له غبار، كن مشاغبا شغوفا بالمعرفة أو بطرح السؤال، كن هدّافا بالأفكار.. كن ابن الدار، أو غريبا يسكننا على نحو غريب، أو غريبا بعيدا عن الديار..

لتكن الكتابة دعاءك المستجاب، صلواتك الخمس، محرابك الذي تتعبد فيه، مزمار داوود، عصا موسى، خاتم سليمان، شيطانك الممسوس، هذيانتك المخبوءة، أريكتك النفسية، عباءتك الناصعة أو المرقعة..

قلمك هو سيفك، هو منجرتك، هو قارورة عطرك الذي يفوح منه لون السماء، أو مدفعك الذي ينقذف منه لون الدماء، صولجانك في زمن السلطان والإماء.. قلمك هو قفازك، كلماتك هي لكماتك، كتابتك هي حلبتك، هي رمانة ومرجانة..

أن تكتب عن نفسك أو عن الآخرين، عن قضية شائكة أو مشكلة مشوكة أو كائن بلا أطراف أو عن تنين ينفت اللهب في زمن الصدف والأصداف، فقط اكتب.. لا تكترث للآخرين، لأحكامهم إن كانت تهدم وتحبط، لما سيقال إن كان القول يدمر ويثبط.. فأنت أولا وأخيرا تكتب لنفسك، وبصيغة أخرى تكتب عنها ولو كان ذلك بضمير الغائب المفرد أو الجمع أو ضمير المتكلم الجمع.

الكتابة بذاتها أنانية، من يكتب يفعل ذلك من ذاته ولذاته، مهما كان حضور العالم والآخر فيها.

الكتابة فعل تحريض من الذات للذات قبل أن يكون للغير أو ضده.. هي بركان أو مذبح أو محكمة أو مسبح.. الأنا هي من يكتب وما كتبته الأنا كتب إليها ولأجلها.. هي عقل وجنون الأنا، هي عالم مسكون بجن الأنا..



ابحث عن الحق، عن العدل، عن الظلم، عن القبح، عن الجمال، عن الشر، عن الخير، عما يسكن الإنسان، عما يسكن العلائق بين البشر، عما يؤلم ويوجع، عما يبهج ويسر ويمتع، عما في نفسك، عن أوجاعك، عن آمالك عن ألامك عما أخفقت فيه، وعما أظهرت فيه تفوقا وإنجازا عظيما، عن الخير الذي رغبت فيه لنفسك، عن الخير الذي رغبت فيه للإنسانية جمعاء، عن الصلاح في كل ما يجري، عن الفساد فيما يأتي، عن حاملي المشعل، عمن يشعل شمعة، عمن يلعن الظلام، عمن يقطف زهرة، عن زحف الربيع، عن تجار الدين، عن دعاة الصلاح، عن سقوط الأقنعة، عمن يخشى أن يلقي عليك تحية السلام، عمن يسلم عليك كل يوم يصادفك فيه في الطريق، عمن يكره اختلافك، عمن يدافع عنك ويكذب كل إشاعة مغرضة عنك، عن رحلة ناجحة أو خائبة، مع رفاقك في القسم أو العمل، إلى مضايق تدغى، إلى شلالات أوزود، إلى جبل توبقال، إلى مغارة هرقل، إلى غابة الأمازون، إلى أدغال أفريقيا، إلى القمر، إلى الأكوان المتوازية...

اكتب عن الحرق، عن الاحتراق، عن المحروقات، عن الطين، عن البلة، عن المسروقات، عن الشنق، عن الشرق، عن معنى الشوق، عن الزمن المهدور، عن الزوج المغدور، عن الكسل، عن العمل، عن الأمل، عن الألم، عن السأم، عن الخسوف، عن الكسوف، عن المقدس، عن المدنس، عن الصادق الوفي، عن المندس المتخفي، عن بن ماشيش، عن قنديشة، عن مرشيش، عن الحب، عن الخيانة..

ابدأ من نفسك أو من الواقع الذي تراه وعلق في ذهنك وتسرب كالماء تحت حبيبات رملك.. ثتبه على الجدار الأزرق أو على الورق، اتخذه تذكارا فرعونيا أو نقشا مسماريا..

اكتب في وقت الفراغ حين تفرغ من الدراسة أو العمل، أو تمل من الدعة والكسل، اتخذ الكتابة استراحة محارب أو فسحة مشاغب أو كرة لاعب..

اكتب، فقط لا تدعو على أحد، ولا تؤذ أحدا، ولا تتشفى من أحد، ولا تغتب أحدا، ولا تشمت من أحد.. اكتب فقد تكون مشروع كاتب أو ناقد أو قاص أو روائي أو فيلسوف أو شاعر، أو مشروع غائب..

اكتب، فقد تخلق الجمال وتشرك العالم في تذوقه.. اكتب وتحمل ألم الكتابة كشوكة لا تخلو منها أي وردة، كجمرة لابد لكي تبث الحرارة من الاحتراق، كحب لا يغادره الاشيتاق، كسم يأتي بعده الترياق..

اكتب، فقد يأتي زمن تنظر فيه، وقد بلغت ما بلغت في السن أو تطوير الشخصية والنظر للعالم، أن تضحك على ما كتبت حين كنت صغيرا، مراهقا جامحا في تطلعاته وآماله وخيالاته، شابا يافعا، طالبا يريد نصرة المظلوم بنص القانون أو شاعرا تنصره القصائد والأبيات قبل السنون..

مهما بدوت في نظر نفسك ساذجا وأخطاؤك لا تعد ولا تحصى ولا تجرد في الواقع أو وأنت تكتب، فقط اكتب، والعب وأنت تكتب، فالكتابة لعب، لكنه لعب جاد مثلما اللعب عمل ممتع..

كن مخرج أفلامك، أو البطل فيها، كن لصا أو شرطيا أو مدرسا أو نبيا أو إطفائيا أو زير نساء أو عالم فيزياء في خيالك وبأحد أقلامك..


اكتب، لكن اقرأ، تعلم من القراءة كيف تكتب، ومتى تكتب، وماذا تكتب، ولأجل ماذا تكتب، من القراءة تعلم أن تفهم وتصغي وتهضم وتفكر بلغة الأنا والنحن والهو والهم، من القراءة تعلم كيف تترسب القوالب اللغوية والرساميل البلاغية والحجاحية في ذهنك ووجدانك، لأنه الزاد الذي ستأخذ منه ما يسعفك على الكتابة، فتنتقل من مجرد التقليد أو المحاكاة إلى إبداع هوية خاصة بك في الكتابة، اقرأ لأنك ودون أن تدري تأخذ من خزان المقروء، من خزانة القراءة ما تود أن تكتبه، ما يلح عليك وعيك ووجدانك أن تكتبه..



حتى لو لم تكن تقرأ، فقط اكتب، حتى لو كانت لغتك متواضعة، فقط اكتب..

ستلقى الثناء والتشجيع  والاعتراف البريء والنقد البناء، كما ستلقى النقد الهدام والكراهية بالمجان والمقايضة باسهم الأعداء..

دنيانا ليست بخير.. فلتكن كتابتنا خيرا



تعليقات